وقفة قرآنية… والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً
قال تعالى في محكم كتابة العزيز: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا.
يقول صاحب تفسير الميزان العلامة الطباطبائي: الخرور على الأرض السقوط عليها وكأنها في الآية كناية لزوم الشيء والانكباب عليه.
والمعنى: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم من حكمة أو موعظة حسنة من قرآن أو وحى لم يسقطوا عليه وهم صم لا يسمعون وعميان لا يبصرون بل تفكروا فيها وتعقلوها فأخذوا بها عن بصيرة فآمنوا بحكمتها واتعظوا بموعظتها وكانوا على بصيرة من أمر هم وبينه من ربهم.
الأذن السامعة والعين الباصرة:
ولا يمكن طي طريق الله بعين وأذن موصدتين، فالأذن السامعة والعين الباصرة لازمتان لطي هذا الطريق، العين الناظرة في الباطن، المتعمقة في الأشياء، والأذن المرهفة العارفة بلطائف الحكمة.
ولو تأملنا جيداً لأدركنا أن ضرر هذه الفئة ذات الأعين والآذان المؤصدة وفي ظنها أنّها تتبع الآيات الإلهية، ليس أقلّ من ضرر الأعداء الذين يطعنون بأصل شريعة الحق عن وعي وسبق اصرار، بل أن ضررهم أكثر بمراتب أحياناً.
لا يسمعون ولا يبصرون:
"وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بآيات رَبّهِمْ" يعني: وعظوا بالقرآن لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا يعني: لم يقعوا عليها صُمّاً وَعُمْيَاناً يعني: لا يسمعون ولا يبصرون، ولكنهم سمعوا وانتفعوا به. وهذا قول مقاتل. وقال القتبي: لم يخروا عليها، أي لم يتغافلوا عنها، فكأنهم صم لم يسمعوها عمي لم يروها.
التلقي الواعي عن الدين:
التلقي الواعي عن الدين هو المعين الأساس للمقاومة والثبات والصمود، لأنْ من اليسير خداع من يقتصر على ظواهر الدين، وبتحريفه يتم الانحراف عن الخط الأصيل، فيهوي بهم ذلك إلى وادي الكفر والضلالة وعدم الإيمان.
هذا النوع من الأفراد أداة بيد الأعداء، ولقمة سائغة للشياطين، المؤمنون وحدهم هم المتدبرون المبصرون السامعون كمثل الجبل الراسخ، فلا يكونون لعبة بيد هذا أو ذاك.
نقرأ في حديث عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزَّوجلّ: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً، قال: مستبصرين ليسوا بشكاك.
لم يخروا عليها:
قال صاحب الكشاف قوله:) لَمْ يَخِرُّواْ (ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفى للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مُسَلِّما هو نفى للسلام لا للقاء .
والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها، وهم في إكبابهم عليها، سامعون بآذان واعية. مبصرون بعيون واعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها... وهم كالصم العميان حيث لا يعونها كالمنافقين وأشباههم.
الصمم هو عدم القدرة على السمع:
من معروف أن الصمم هو عدم القدرة على السمع وقد يولد الإنسان أصماً أو يصاب بمرض يؤدى إلى الصمم، وهذا النوع غير مقصود على الإطلاق هنا ولكن المقصود هو الذى يصطنع الصمم لنفسه رغم سلامة أذنيه وقدرته على تلقف المعلومة، ولكنه يسخر كل ذلك لشهواته وملذاته وحياته الدنيا ومكاسبه الزائلة فإذا قرئ القرآن عليه أهمله ولم يعطه أذنه ولم يهتم بفهمه، معتمداً على أن هناك من سيفهمه له، ثم يشرحه له، ومع ذلك فلو تعرض لهذا الشرح لما سمعه أيضاً ولأهمله ولا صطنع الصمم ولذهب بعقله وخياله هناك حيث دنياه وملذاته ومكاسبه، ويظل يخر أصماً على كتاب الله تعالى حتى يدركه الموت وهو لم يفهم منه شيئاً ولم يفقه شيئاً، فعاش ومات كمثل الحمار يحمل أسفاراً وبئس المثل لكل إنسان يتعامل من القرآن بلا مبالاة فهو بذلك يخسر آخرته ويكسب دنياه .
حقيقة التفكر:
سير الباطن من المبادئ إلى المقاصد، ولا يرتقي من النقص إلى الكمال إلا بهذا السير، ومبادئه الآفاق والأنفس بأن يتفكر في أجزاء العالم وذراته وفي الأجرام العلوية والكواكب، وفي الأجرام السفلية، برها وبحرها ومعادنها وحيواناتها، وفي أجزاء الإنسان وأعضائه وما فيها من المصالح والحكم وغيرها، مما يستدل بها على كمال الصانع وعظمته وعلمه وقدرته، فالتفكر من حيث خلقها وإتقان صنعها وغرائب الصنع وعجائب الحكم الموجودة فيها، أثره الايقان بوجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، ومن حيث تغيرها وفنائها بعد وجودها، أثره الانقطاع منها والتوجه بالكلية إلى خالقها وبارئها، ونظيره التفكر في أحوال الماضين وانقطاع أيديهم عن الدنيا وما فيها ورجوعهم إلى دار الآخرة، فإنه يوجب قطع المحبة عن غير الله، والانقطاع إليه بالطاعة والتقوى.
دستور حياة وباب لفتح البصيرة:
هذه الآية اعتبرها دستور حياة وباب لفتح البصيرة والاستبصار، وعدم الانصياع والخرير على الامر دون تعقل وتفكر حتى وان كانت آيات الله عزوجل، كالعمى والاصم الذي يسير مع المسير دون وعي وادراك لما هو يسير. فلابد من تدبر حقائق الامور ويسبر غورها ومعرفة حقائقها قبل الانخرار عليها.


إرسال تعليق